رحلة غير متوقعة

رحلة غير متوقعة

ولادة طفل من ذوي الإحتياجات الخاصة ، أو اكتشاف أن الطفل يحتاج رعاية خاصة ، يمكن أن يكون له آثار عميقة على الأسرة . قد لا يمكن وصف ما قد يحمله المستقبل بالنسبة لك و لعائلتك، لكن الإستعداد للرحلة يمكن أن يسهل الأمر و يجعلك مستعدة للتحديات التي تنتظرك و عائلتك.

في هذه المقالة، سوف نستعرض رحلة أم لطفل من متلازمة داون و كيف استطاعت مساعدة ابنها على تخطي الصعوبات.

الرحلة:

العمر: ٤ سنوات و شهرين

حياتنا في تغير مستمر و لا يمكن للإنسان أن يتوقع أو يترقب ماذا سيحدث له، لأن ذلك في علم الغيب. دورنا في الحياة هو التوكل على الله و التأقلم مع الظروف المحيطة و البحث عن الفرص المتاحة حولنا حتى نستطيع التغلب على الصعوبات. 


 ليس من السهل رؤية طفلك مريض أو لديه إعاقة ما، أو به أذى بأي شكل من الأشكال. لا يمكن لأي شخص أن يتوقع أن يمر بمثل هذه التجربة، فأنها رحلة غير متوقعة و غير مخطط لها. إن غالبية الأسر قادرة على العثور على القوة في أنفسهم و في محيطهم للتكيف والتعامل مع الضغوط والتحديات التي قد تصاحب مرض طفلهم أو الإعاقة. 


الكثير من الآباء يمرون بمراحل مشابهة من المشاعر كما ذكرنا سابقاً في أحد المقالات. من هذه العواطف الصدمة، والحرمان، والحزن، والشعور بالذنب، والغضب، والارتباك.


تقول أم بسام: تعلمت كثيراً منذ ولادة بسام  عن أي وقت مضى في حياتي . تعلمت الصبر و شاهدت حصول معجزات و تعلمت القبول و تعلمت أن لانحكم على ظاهر الأشياء كما تعلمت الحب الغير مشروط.

 

كنت دائمة البحث عن أي معلومات تخص حالة ابني.

 سنة وثلاثة أشهر مضت منذ بدأت رحلتي مع بسام. تقول أم بسام وهي تتذكر الأيام الأولى بعد ولادة بسام: هناك تقصير من المستشفيات في إعطاء المعلومات الوافية للأهل عن كيفية التعامل مع الطفل الذي لديه متلازمة داون. فأنا كأم لم يكن لدي أي فكرة عن حالات متلازمة داون، لم يخبرني أحد عن كيفية التعامل معه ، لم أعرف حتى أن هناك مراكز متخصصة بحالته ، ولم أعرف أنه لا بد من أن يخضع لعلاج طبيعي منذ الشهور الأولى من عمره حتى يتمكن من الإعتماد على نفسه مستقبلاً.

تقول:  في المستشفى وبعد الولادة مباشرة أخبروني بإحتمال أن يكون طفلي لديه متلازمة داون ... وبعد إجراء تحليل مستوى الكروموسومات تأكدت حالته. كانت صحته جيدة حتى عمر الخمس أشهر عندما حدث له إلتهاب في الصدر أثرعلى حالته الصحية كثيراً ... في المستشفى عرفنا لأول مرة أنه يعاني من ثقب في القلب وأن له صماماً واحداً فقط ... كانت حالته الصحية متدهورة وكان يعتمد على الأكسجين أكثر أيامه.

في عمر الستة أشهر أخبرتني الطبيبة المشرفة على حالة بسام في مستشفى جامعة الملك عبدالعزيز أنه سيحتاج إلى علاج طبيعي وتأهيلي .. وأنه متأخر كثيراً ليس فقط عن الطفل الطبيعي وإنما أيضاً عن أقرانه من أطفال متلازمة داون وذلك بسبب عدم بدءه العلاج بوقت مبكر.... ثم أجريت له عملية وهو في عمرالعشرة أشهر لسد الثقب ولعمل صمام ثاني للقلب بعدها ولله الحمد تحسنت حالته الصحية كثيراً. بعد العملية وإستقرار حالة بسام، قامت الطبيبة بتحويلي إلى عيادة داون حيث أعطوني قائمة بأسماء المراكز المتخصصة بتقديم العلاج الطبيعي للأطفال ممن هم في مثل حالته. 


كان عمر بسام عندما بدأ العلاج الطبيعي ثلاث سنوات بالرغم من أن صحته كانت مستقرة من عمر السنتين ولكن لم يستطع البدء في العلاج حينها بسبب ظروف خارجة عن إرادتنا. وعندما بدأ بسام العلاج كان الوضع الحركي الذي يتقنه هو الزحف على بطنه فقط و يعاني من ليونة شديدة في العضلات فلم يكن يستطيع الجلوس بمفرده دون مساعدة .. إضافة إلى التأخر في مهاراته الإدراكية. 

بعد شهور من العلاج أصبح هناك تحسن ملحوظ فأصبح يستطيع الجلوس بمفرده دون مساعدة، ثم بدأ بالحبو بطريقة صحيحة والآن والحمد لله بدأ بالوقوف والمشي ولكن بالإعتماد على المشاية أو بمساعدة من الآخرين. وتحسنت مهاراته الإدراكية فأصبح يستطيع تمييز الأشياء والإستجابة للأوامر التي تعطى له. الهدف الآن من الاستمرار في العلاج الطبيعي هو تحقيق القدرة على الوقوف والمشي بشكل مستقل و بدون مساعدة. إضافة إلى تنمية قدراته العقلية وتطوير ذاته كي يصل إلى مرحلة الإعتماد على النفس. بالبحث عن المعلومات و الفرص الموجدة، و بالتعاون مع الأطباْ و الأخصائيين الآن بسام ولله الحمد يستطيع المشي من غير مساعدة كما يمكنه الإعتماد على نفسه في بعض الأشياء بينما يحتاج إلى توجيه أو مساعدة في البعض الآخر.

نحن كآباء، نعتقد أن جميع الأطفال يجب أن يعاملوا بنفس الطريقة. لكن فعلياً لا يمكن اتباع هذا الأسلوب.   لماذا ا؟ لأن أي شخص لديه خبرة مع الأطفال، حتى الرضع، يعرف أن لديهم شخصيات مختلفة وتتفاعل مع المحيط بشكل مختلف في حالات مماثلة. ونحن بذلك يجب علينا أن نشجع الضعيف و نساعده و نؤمن أن كل طفل لديه قدرته الخاصة.  ليس كل طفل مثل الآخر، لكن ينبغي أن يكون لديهم الفرص ذاتها.

لم أختار هذه الرحلة، تجربة لم أكن أريدها و لكنها جعلتني شخص أفضل وأقوى.

 اليوم ..... لدي الخيار للخوض في هذه الرحلة و قبول التجربة و أنا الآن أقبل بالتجربة مع كل ما تنطوي عليه من تحديات.


ريم عبدالعزيز الصويغ

أخصائية العلاج الطبيعي

المؤسس و المدير العام لمركز التأهيل المتطور


تواصلوا معنا مباشرة